هناك أدوار تربوية و أنشطة تعليمية لا يستطيع القيام بها الا الأب.
فإن كنت لن تستطيع ان تعين زوجتك في أداء المهام التربوية و التعليمية الأساسية فعلى الأقل يمكنك أن تؤدي المهام التي لن تستطيع زوجتك القيام بها.
بالاضافة إلى اننا كآباء لابد أن نكوِّن ذكريات خاصة مع أبنائنا لا يشاركنا فيها أحد. تلك التي سنظل نتذكرها طوال العمر إن شاء الله.

فاذا كان ذلك إختياريًا بالنسبة لجميع الآباء - وأنا لا أراه كذلك - فهو إجباري على من يريد أن يساهم في تربية أبناءه ليكونوا نافعيين للمجتمع و بالأخص الآباء اللذين إختاروا التعليم المنزلي لأبنائهم مثلي.
الأمر ليس صعبا فهو أحيانًا يمكن إنجازه أثناء تأدية المهام اليومية مثل تلك التي نحن بصدد الحديث عنها.
دائمًا ما يكون مشوار الذهاب إلى الميكانيكي - أو محطة البنزين - لتغيير الزيت للسيارة أمراً مملاً ولكن تلك المرة كان في غاية الروعة فقد قررت أن آخذ ابنتى ريتاج مع في تلك الرحلة.
بسبب متابعتي لمنهج ريتاج التعليمي كنت أعلم أنها بدأت تتعلم المهن. ومن هنا جائتني الفكرة أن أقدم لريتاج خبرة عملية وتشاهد مهنة الميكانيكي على الطبيعة.
أخذت ريتاج معي بمفردها وهذا ما اتاح لي فرصة أكبر في التقرب من ابنتي و قضاء وقت ممتع يتحول الى ذكرى سعيدة بيننا.
وصلنا للمحطة و أوقفت السيارة أمام ورشة تغيير الزيوت أو "ورشة الميكانيكي" كما سميتها لإبنتي و جلسنا ننتظر دورنا. ولحسن الحظ يوجد كنبة أرجوحة في مكان الإنتظار فجلست عليها أنا وريتاج وكان وقتا ممتعا لم نشعر فيه بالملل و ظللنا نضحك و نتأرجح الى أن جاء دورنا (طبعا كنا فرجة لكل من فى المحطة).
في تلك الأثناء كنا نشاهد السيارة التي تسبقنا وهي تُرفع بالرافعة الموجودة في الورشة وأخذنا نسمي كل ما نراه فريتاج أول مرة ترى "رافعة للسيارات" وان كانت تعلم الرافعة المستخدمة في البناء فكان من الشيق أن ترى نوع آخر من الرافعات و تعرف اسمه. ثم رأينا الميكانيكي أو "عمو الميكانيكي" كما أطلقت ريتاج عليه. ولكن لبعد المسافة لم ترى أكثر من ذلك حتى تلك اللحظة.
ثم جاء دورنا وركبنا السيارة و دخلنا بها الورشة ورأيناها من الداخل.
نزلنا من السيارة و كانت ريتاج مهتمة كيف يضع الميكانيكي أذرع الرافعة تحت السيارة ومن أين يقوم بتشغيل الرافعة وكيف تتحرك، وكان يظهر عليها التركيز الشديد فاكتفيت أنا بالمراقبة وتوجيهها إلى ان تبتعد بالقدر الكافي لسلامتها واحيانا اقوم بتسمية الاشياء لها أو اقوم بشرح ما تراه أمامها.
بعد أن قام "عمو الميكانيكي" برفع السيارة ووضع حوض الزيت تحت السيارة, قام بفتح طبة الموتور من الأسفل ب"مفتاح الميكانيكي" لإخراج "الزيت المتسخ". وهنا ريتاج تعلمت أن الميكانيكي لديه أداة تسمى مفتاح -وهي مختلفه عن مفتاح الباب- وأيضا تعلمت أنه يقوم باصلاح السيارة عن طريق اخراج الزيت المتسخ من أسفل السيارة.
ظلت ريتاج تتابع تدفق الزيت الى ان انتبهت انها ترى لأول مرة السيارة من أسفل فأخذت تدقق في باقى أجزاء السيارة و سمينا بعض الاجزاء مثل ال"عجل" وال"محرك".
ثم قام الميكانيكي بانزال السيارة وقام بوضع الزيت النظيف فى المحرك وطبعا كانت ريتاج تقف على حافة الكبوت و أنا أمسكها - للأسف لا توجد صورة لاني كنت أمسك ريتاج خوفا من أن تسقط - وظلت تسألني عن لماذا نضع زيت في المحرك وبالطبع كانت ايجاباتي بسيطة جدا لصغر سن ريتاج فكانت جميع الاجابات على غرار " أن الزيت للسيارة بمثابة الطعام الذي نأكله لكي نكون أقوياء".
بالطبع المعلومات التي خرجت بها ريتاج من تلك الرحلة ليست كثيرة ولكنها كافية جدا بالنسبة لسنها.
فهي قد علمت أن الميكانيكي يعمل فى الورشة ويقوم باصلاح السيارة و يقوم بتغيير زيت المحرك المتسخ بزيت جديد ونظيف. وتعلمت أيضا ان الميكانيكي يستخدم المفتاح والرافعة.
أعتقد أنني سأقوم بتكرار الزيارة بعد عدة سنوات لتتعلم ريتاج ميكانيكا السيارات بشكل أعمق. فأنا أعتقد انها ستصبح مخترعة عندما تكبر فهى بالفعل تحب تفكيك الاشياء ومعرفة نظرية عملها.
كانت تجربة شيقة لي ولريتاج على حد السواء. فتلك أول مرة أصطحب ريتاج بمفردها فى مكان مثل هذا. كنت مستمتع جدا بتعلق ريتاج بي وسماعها لكلامي. واستمتعت بتعليم ريتاج معلومات ومصطلحات جديدة ومازالت تتذكرها حتى الآن و ستستخدمها طوال العمر باذن الله.
بالطبع كان هناك القليل من الاحراج فانا لن أنسى نظرة الميكانيكي لي عندما سألتني ريتاج ببراءة وهي تقف على كبوت السيارة في مواجهته مباشرةً "هو عمو ميكانيكي بيعمل إيه؟". ولكنه تقبل ذلك خاصة وانا تجاهلت نظرته وبدأت أشرح وأوضح لريتاج ما يقوم به عمو ميكانيكي من بطولات لإصلاح السيارة :D.
وأخيرًا هل هناك مدرسة تقوم بعمل رحلة تعليمية مثل رحلتنا هذه؟


